Sam Eldin فضيلة شيخنا
الطاهر محمد أحمد الطاهر الحامدى

Alshak Altaher
يتهيأ لدخول مكة

تأملات فى السيرة

يتهيأ لدخول مكة رسول الله

وينزع الراية من سعد بن معاذ

لفضيلة الشيخ/ الطاهر الحامدى

لا يخفى عليك أيها القارئ الكريم مما أسلفنا حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يدخل الناس كافة فى دين الله ولا يخفى عليك أيضا أن حرص النبى صلى الله عليه وسلم على إسلام أبى سفيان خاصة، قد بدا ذلك واضحا من قول النبى صلى الله عليه وسلم لأصحابه إذا لقيتم أبا سفيان فلا تقتلوه، وأيضا ما رأيته من حلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأناته والصبرعلى ما بدا من أبى سفيان وتردده فى النطق بالشهادتين واعلان اسلامه، أدرك ذلك - فى رأيى - العباس بن عبد المطلب حين قال يا رسول الله إنى لا آمن أبا سفيان أن يرجع عن اسلامه فاردده حتى يفقه ويرى جنود الله معك ويروى أن سيدنا أبا بكر قال للنبى صلى الله عليه وسلم بعد أن انصرف أبو سفيان من أمام النبى صلى الله عليه وسلم يا رسول الله لو أمرت بأبى سفيان فحبس على الطريق و روي أيضا أنه لما ذهب أبو سفيان لينصرف من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس أحبسه بمضيق الوادى فأدركه العباس فحبسه فقال أبو سفيان: أغدراً يا بنى هاشم فقال العباس رضى الله عنه إن أهل النبوة لا يغدرون وإنا لسنا بغُدْر ولكن أَصْبِح حتى تنظر جنود الله، وما أعد الله للمشركين. وحبسه بالمضيق دون الأراك حتى يصبح ويروى أن أبا سفيان قال للنبى صلى الله عليه وسلم بعد أنا نطق بالشهادتين أمامه، قال هو وحكيم بن حزام للنبى صلى الله عليه وسلم - كأن بهما حنيناً لمشركى مكة ولم يكد الاسلام يجعلهما ينظران الى الناس بعين المساواة - قالا للنبى صلى الله عليه وسلم جئت بأوباش الناس من يُعرف ومن لا يُعرف الى أهلك وعشيرتك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - فى حزم وحسم - :((أنتم أظلم وأفجر قد غدرتم بعهد الحديبية وظاهرتم علىّ بنى كعب بالاثم والعدوان فى حرم الله وأمنه - فلم يجدا فى هذه الاجابة - الا أن يذعنا لكلام النبى صلى الله عليه وسلم فقالا معاً صدقت يا رسول الله. ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة قربه من مكة قال:(إن بمكة نفراً أربأ بهم عن الشرك وأرغب لهم فى الاسلام قيل من هم يا رسول الله، فذكر منهم عتّاب بن أسيد وجبير بن مطعم وسهيل بن عمرو ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم منادياً ينادى لتصبح كل قبيلة قد أرحلت - مستعدة للرحيل - وقفت مع صاحبها عند رايتها وتظهر ما معها من الأداة والعدة وأصبح الناس على ظَهْر, وقَدَّمَ بين يديه الكتائب ومرت القبائل على قادتها والكتائب على راياتها.

ومرّت القبائل من المهاجرين والأنصارفمرّت بنو سُلَيم عليهم خالد بن الوليد ثم مرّ على إثره الزبير بن العوام فى عددٍ من المهاجرين وأفناء العرب ثم هكذا كل قبيلةٍ وكانت كل قبيلة تمر بأبى سفيان تكبر ثلاثاً ويسأل أبو سفيان من هؤلاء؟ فيعرفه العباس بمن مرَّ ثم يقول أبو سفيان: مالى وهؤلاء ويذكر زعيمهم حتى مرَّت بنو ليث وضمره يحمل لوائهم أبو واقد الليثى فلمّا حاذوه كبّروا ثلاثاً فقال أبو سفيان من هؤلاء؟ فقال العباس بنو بكر فقال أبو سفيان أهل شؤمٍ والله! هؤلاء الذين غزانا محمدٌ بسببهم قال العباس: قد أختار الله لكم فى غزو محمدٍ ـ صلى الله عليه وسلم ـ آتاكم أمنكم ودخلتم الإسلامَ كافة ثم مرّت ـ قبيلة ـ أشجع فقال أبو سفيان: هؤلاء كانوا أشدّ العرب على محمد!.. فقال العباس: لكنّ الله أدخل الإسلام فى قلوبهم فهذا فضل من الله. ثم سأل أبو سفيان: أبعدُ ما مضى محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ؟ فقال العباسُ: لا لم يمضِ بعد لو أتت الكتيبة التى فيها محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ لرأيت فيها الحديد والخيل والرجال وما ليس لأحد به طاقة، فقال أبو سفيان: ومن له بهؤلاء طاقة؟ ثم طلَعت الكتيبة الخضراء كتيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم التى فيها المهاجرون والأنصار فيها الرايات والألوية ومع كل بطن من بطون الأنصار لواءٌ وراية وهم فى الحديد لا يُرى منهم إلا الحَدَقْ, ولِعُمَر بن الخطاب فيها زجلٌ بصوتٍ عال وهو يزعُها وهو يقول: رويداً حتى يلحق أولَكم آخِرُكم, ويقال كان فى تلك الكتيبة ألف درع وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم رايته سعد بن عُبادة فهو أمام الكتيبة فلمّا مرّ سعد براية رسول الله صلى الله عليه وسلم نادى أبا سفيان ـ يعنى نادى سعدُ على أبى سفيان ـ فقال: اليوم يوم الملحمة اليوم تُستحل الحرمة اليوم أذلّ اللهُ قريشاً. فقال أبو سفيان ـ كأنه يستغيث بالعباس ـ يا عباس أهذا يوم ذمار؟ ـ يعنى الأخذ بالثأر ـ ومرّت القبائل فطلعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على ناقته القصواء بين أبى بكرٍ الصديق وأُسيد بن الحُضير وهو يُحدِّثهما فقال العباس رضى الله عنه: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو سفيان للعباس: لقد أصبح ملك بن أخيك عظيماً! فقال العباس رضى الله عنه: قلت لك يا أبا سفيان إنّها النبوة. قال: فذاك إذاً..

روى الطبرانىُّ عن العباس رضى الله عنه قال: لمّا بُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتشر أمره فى مكة قلت لأبى سفيان بن حرب: أسلم بنا, فقال لا والله حتى أرى الخيل تطلع من كداء. قال العباس: فقلت ما هذا؟ قال: شىءٌ طلع فى قلبى. لأن الله لا يطلع الخيل من هناك أبداً. قال العباس فلمّا طلع رسول الله صلى الله عليه وسلم من هناك ذكّرتُ أبا سفيان بما قال فذَكَرَ ذلك: وعجبت من هذا وكأن الله تعالى أراد ان يرغم أبا سفيان على الدخول فى الاسلام، فلما مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبى سفيان قال: يا رسول الله أمرتَ بقتل قومك؟! ألم تعلم ما قال سعد بن معاذ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ما قال؟ )) أعاد أبو سفيان على رسول الله ما قاله سعد ثم قال أبو سفيان ـ يستعطف رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وإنّى أنشدُك الله فى قومِك فأنت أبرَّ الناس وأوصلَ الناس وأرحمَ الناس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كذبَ سعد يا أبا سفيان اليوم يوم المرحمة اليوم يومٌ يُعَظِّمُ اللهُ فيه الكعبة اليوم يوم تُكسى فيه الكعبة اليوم يوم أعز الله فيه قريشاً)).

ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلَ إلى سعد ونزع اللواء من يده وجعله إلى إبنه قيس بن سعد ويروى أن سعداً أبا أن يسلم اللواء إلا بأمارةٍ من رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل النبى صلى الله عليه وسلم بعمامته إلى سعد فدفع اللواء إلى إبنه قيس.

أيها القارىء الكريم ـ أرجوك أن تضع كلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلمة سعد بن معاذ وأن تستشفّ معانى كل كلمة فترى أن كلمة سعد وهو ينادى أبا سفيان (اليوم يوم الملحمة اليوم تستحلّ الحرمة اليوم أذلّ اللهُ قريشاً) هكذا قال سعد كلمات تنضح بالثأر وتفيض بالانتقام وما هكذا الإسلام. وأبداً لن يكون.! مهما قال الأشرار وتطاولوا ثم تأمل كلمات النبى صلى الله عليه وسلم انها تفيض انسانية ومودة وتنضح بالرحمة والرأفة وصدق من سماه الرؤوف الرحيم ثم إنها إلى جانب ذلك كلمة حاسمة قاطعة لا تحتمل التأويل والمراوغة وتبعها موقف حاسم فيه كل الحكمة ثم معالجة حكيمة رشيدة أمسكت بتلابيب الموقف حتى لا ينهار. قال صلى الله عليه وسلم في حسم: ((كذب سعد)) ثم نزع الراية منه وحتى لا تتطور الأمور وحتى لا تتبدد آشعة النور القادم إلى مكة فى هذا الموقف العصيب إلى تفتتٍ فى عضد القادمين بالرسالة زاحفين إلى مكة تبعه تصرف حكيم حازم يضمّض الجراحة ويأسو الغاضبين فأسند الراية إلى قيس بن سعد وقال صلى الله عليه وسلم: ((كذب سعد يا ابا سفيان اليوم يوم المرحمة اليوم يوم يعظم اللُه فيه الكعبة اليوم يوم أعزّ اللهُ فيه قريشاً)) إنها كلمات النبوة كلمات معلمٌ رشيد وقائدٌ حكيم كلمات فيها من القوةِ والحسم ما يضع الحق فى نصابه ويضبط الأمور حتى لا تتفلت من أيدى أصحابها ثم هو يواسى جراحاً أوشكت أن تقطّع أوصال المودة وتستميلُ أفئدة رجالٍ أراد الله أن يشرح صدرهم للإسلام. فأمر صلى الله عليه وسلم بنزع اللواء من يدى سعد وجعله فى يدى ابنه قيس فأبى سعد أن يسلم اللواء إلا بإمارة فأرسل النبى صلى الله عليه وسلم بعمامته فامتثل سعد وسلّم الراية لأبنه. ويبدو أن العباس بن عبد المطلب ـ كخلق أهل البيت فى مودّتهم وحفظهم للود أنه رق لأهل مكة ـ فقال:(يا رسول الله لو أذنت لى فأتى أهل مكة فدعوتهم فأمّنتُهم.) فركب بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم الشهباء وانطلق. ـ ويبدو أنّ العباس رضى الله عنه لمّا قال (لو أذنت لى يا رسول الله فأتى أهل مكة) أنطلق ولم ينتظر جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ردّوا على أبى. ردّوا علىّ أبى إنّى أخاف أن تفعل به قريش ما فعلت ثقيف بعروة بن مسعود دعاهم إلى الله فقتلوه أما والله لئن فعلوها لأضرمنّها عليهم ناراً)) فكره سيدنا العباس الرجوع فانطلق حتى دخل مكة فقال: (يا أهل مكة أسلموا تسلَموا) ثم قال العباس لأبى سفيان: انجُ ويحك!! فأدركْ قومَكَ قبل أن يدخل عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فتقدم الناسُ كُلُهم حتى دخل مكة من كداء فخرج فصرخ باعلى صوته: يا معشر قريش هذا محمد قد جائكم بما لا قبل لكم به أسلموا تسلموا. ثم قال: من دخل دار أبى سفيان فهو آمن. قالوا: قاتلك الله!وما تغنى دارُك؟ فقال: ومن أغلق بابه فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن فقامت إليه هند بنت عتبة زوجته فأخذت بشاربه فقالت: اقتلوا الحميث الدسم الأحمث قُبِّحَ من طليعة قوم. فقال أبو سفيان: ويلكم! لا تغرّنّكم هذه من أنفسكم فقد جائكم مالا قبل لكم به، وروى ان الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بقتل أفراد معينين لا يدخلون فى عهد الامان الذى شمل أهل مكة كلهم ذكرهم أهل السيرة بأسمائهم لانهم أرتكبوا أفعالا رأها رسول الله صلى الله عليه وسلم انها لا تغتفر ولا تقبل العفو عنهم منهم عبد العزى بن خَطل كان قد أسلم وهاجر الى المدينة وسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله وبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعيا وبعث معه رجل من خذاعة كان يخدمه ويصنع له طعاما فنزلا فى مكان فأمره ان يصنع له طعاما ونام نصف النهار، وأستيقظ والخذاعى نائم ولم يصنع له شيئا فعدى عليه فضربه فقتله وارتد عن الاسلام وهرب الى مكة وكان يقول الشعر يهجو به رسول الله صلى الله عليه وسلم، والثانى عبد الله بن سعد بن ابى سرح كان اسلم ثم ارتد فشفع فيه عثمان يوم الفتح فحقن دمه واسلم بعد ذلك وحسن اسلامه، ومنهم عكرمة بن ابى جهل لما سمع بدخول النبى صلى الله عليه وسلم مكة هرب ليلقى نفسه فى البحر فشفعت له زوجته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم واخبرته صلى الله عليه وسلم ان عكرمة هرب وذهب ليلقى نفسه فى البحر فقبل شفاعتها رسول الله صلى الله عليه وسلم وادركته ونادت عليه وقالت جئتك من عند افضل الناس وابر الناس واوصل الناس فرجع واسلم وحسن اسلامه، ومنهم الحُوِيرث بن نُقيِدر كان يؤذى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما هاجرت الى المدينة زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم نخس ناقتها فوقعت وكانت حاملا، ومنهم مِقيَس بن صبابة كان اسلم ثم اتى على رجل من الانصار فقتله، ومنهم هبار بن الاسود وأخرين واخريات ومنهم من جاء الى رسول صلى الله عليه وسلم فاسلم وعفى عنه ولم يكن صلى الله عليه وسلم متعطشاً الى الدماء والقتل ولكنهم كانوا قوما مجرمين أساوا الى الاسلام والى رسول الله صلى الله عليه وسلم نسأل الله العفو والعافية.

وإلى لقاء آخر إن شاء الله