رجال الطريقة الخلوتية

سيدى الإمام الجنيد رضى الله عنه

سيدى الإمام الجنيد رضى الله عنه

 

سيدى العارف بالله تعالى/ الجنيد بن محمد بن الجنيد البغدادى رضى الله عنه.

هو: منبع نور الآفاق، مظهر سر الخلاق، مخزن الأسرار العلية, الواقف على نبوة الأنبياء, المزين بفنون العلم، المتوشح بجلاليب التقوى والحلم, المنوَّر بخالص الإيقان، المؤيد بثبات الإيمان، العالم بمودع الكتاب، العامل بحكم الخطاب، الموفق فيه للبيان والصواب، كان كلامه بالنص مربوطًا، وبيانه بالأدلة مبسوطًا, شيخ المشايخ فى الطريقة، وإمام الأمة فى الشريعة سيدى الشيخ: الجنيد بن محمد بن الجنيد القواريرى، أبو القاسم وهذه كنيته.

لقبه: القواريرى(لأن أباه كان يبيع الزجاج ), والزجاج(أو كان يبيع قوارير الزجاج), والخزاز(أى يبيع الخز وهو الحرير), والبغدادى(عاصمة دولة العراق لها حضارة قوية ومنها علماء أجلاء).

 

المنشأ: أصله من نهاوند بلد قديمة من بلاد الجبل قرية من همذان، لكن شيخنا ولد ونشأ وترعرع في بغداد.

انتسابه إلى شيخه السرى السقطى رضى الله عنه:

أخذ التوصف من يد خاله السرى السقطى رضى الله عنه، والحارس المحاسبى, وفى هذا يقول أهل التصوف.

قال الشيخ عبد الرؤوف المناوى: أخذ التصوف عن خاله السرى والحارس المحاسبى, وقال السلمى: صحب السرى السقطى....إلخ.

وقال ابن الملقن: صحب جماعة من المشايخ، واشتهر بصحبة خاله السرى ....إلخ.

وقال عبد الرحمن الجامى: صحب سريًا السقطى...إلخ, وقال الهجويرى: وكان ابن أخت السرى السقطى ومريده.

وقال القشيرى: صحب خاله السرى, والحارث المحاسبى, ومحمد بن على القصاب, وقال الشيخ إبراهيم خاص: وهو ابن أخت الشيخ سرى الدين السقطى قدس الله سرهما، وهو خليفة الشيخ سرى الدين السقطى.

من هذا يظهر جليًا، أن الجنيد تلقى التصوف من يد خاله وشيخه السرى السقطى, ثم الحارس المحاسبى، لكن شهرته بخاله أظهر، لأنه تربى عنده منذ صغره حتى شب وترعرع بجوار خاله، لذا نجد في سند المشايخ الخلوتية عمومًا، والدومي خصوصًا، أن الجنيد أخذ من السرى السقطى، ولذا تجد في توسلاتهم السرى ثم الجنيد رضى الله عنهما, ومن سيدنا محمدًا صلى الله عليه وسلم حتى الجنيد البغدادى, كلهم أسندوا الحديث وأسانيدهم عالية, أثنى عليهم العلماء خيرًا.

وفي زمن الجنيد رضى الله عنه لقبوه بسيد الطائفة (أي طائفة أهل التصوف), ولكونه من أهل التصوف: لقبوه بلسان القوم، ولكونه من أهل التلطف ومنتهى أهل التعرف فقد سموه بطاووس العلماء، كان على مذهب أبى ثور (أعظم تلاميذ الشافعى)، وقيل بل كان على مذهب سفيان الثورى.

قال أبو العباس بن عطاء: إمامنا في العلم، ومرجعنا والمقتدى به الجنيد.

وقال خليفة بغداد لرويم: يا قليل الأدب. فقال رويم: أأكون قليل الأدب، وقد جلست مع الجنيد نصف نهار؟ يعنى أن من صحب الجنيد نصف نهار لا يحصل منه سوء أدب، فكيف بمن صحبه أكثر من ذلك؟!

 

وقال الشيخ أبو جعفر الحداد: لو كان العقل رجلاً لكان الجنيد, وقيل: في هذه الطبقة كان ثلاث نفر، ما كان لهم رابع، الجنيد فى بغداد, وأبو عبد الله بن الجلاء فى الشام، وأبو عثمان الحيرى فى نيسابور, كان فى أوائل حاله: يبيع القوارير فى دكان كان يعلق فيه ستارًا يصلى وراءه أربعمائة ركعة في اليوم الواحد.


بعض من كلامه وحكمه رضى الله عنه:

- قال: علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة, وقال: من لم يسمع الحديث ويجالس الفقهاء ويأخذ أدبه عن المتأدبين أفسد من اتبعه.

- وقال: العارف من نطق عن سرك وأنت ساكت.

- وقال: ما أخدنا التصوف عن القيل والقال, بل عن الجوع وترك الدنيا وقطع المألوف, وسئل: ما الفرق بين المريد والمراد؟ فقال: المريد تولته سياسة العلم، والمراد: تولته رعاية الحق، فإن المريد يسير والمراد يطير، وأين الستائر من الطائر.

 

- وقال: بنى الطريق على أربع:

لا تتكلم إلا عن وجود, ولا تأكل إلا عن فاقه، ولا تنم إلا عن غلبة, ولا تسكت إلا عن خشية.

- وقال: صفاء القلوب على صفاء القلوب صفاء الذكر وخلوصه من الشوائب.

- وقال: كلام الأنبياء عن حضور, والصديقين عن المشاهدة.

- وقال: التصديق بعلمنا هذا ولاية، وإذ فاتتك المنة في نفسك فلا تفتك أن تصدق بها في غيرك، فإن لم يصبها وابل فطل.

- وقال: يجعل أحدكم بينه وبين قلبه مخلاة من الطعام، ويريد أن يجد حلاوة المناجاة.

- وقال: ما أخرج الله علماً إلى الأرض وجعل للخلق إليه سبيلاً إلا وجعل لى فيه خطًا ونصيبًا.

- وقال لأبى بكر الشبلى: إن خطر ببالك من الجمعة غير الله فلا تعد ثانيًا، فإنه لا يجئ منك شىء فى الطريق.

- وقال: لو رأيتم الرجل قد تربع في الهواء ومشى على الماء، فلا تلتفتوا إليه حتى تنظروه عند الأمر والنهى، فإن كان عاملاً بالأمر مجتنبًا لما نهى عنه فاعتقدوه, وله غير ذلك الكثير والكثير.

 

بعض من كراماته رضى الله عنه:

- منها: وقف عليه فى أول مجلسه ببغداد غلام نصرانى متنكرًا, فقال: ما معنى قول النبي: "اتقوا فراسة المؤمن"؟ قال: معناه: إنك تسلم، فقد حان وقت إسلامك، فأسلم.

علق الإمام اليافعى على هذه الكرامة: يحسب الناس للجنيد فىها كرامة واحدة، وأنا أقول: للجنيد فيها, كرامتان إحداهما: إطلاعه على كفره، وثانيهما: إطلاعه على أوان إسلامه, ومنها: إن تلميذه أبو عمرو بن علوان قال: خرجت يومًا إلى السوق الرحبة في حاجة, فرأيت جنازة فتبعتها لأصلى عليها: فوقفت حتى تدفن، فوقعت عينى على امرأة مسفرة، من غير تعمد، فألمحت بالنظر إليها، واسترجعت واستغفرت الله تعالى، وعدت إلى منزلى, فقالت عجوز لى: سيدى، ما لي أرى وجهك أسود؟ فأخذت المرآه، فإذا هو كما قالت, فخرجت إلى سرى أنظر من أين ذهبت فذكرت النظرة، فانفردت في موضع، استغفر الله واسأله الإقالة، أربعين يومًا، فخطر فى قلبى، أن أزور شيخى الجنيد، فانحدرت إلى بغداد, فلما جئت حجرته طرقت الباب، فقال لى: ادخل يا أبا عمرو، تذنب بالرحبة ونستغفر لك ببغداد، ويقول العبد الفقير فى هذه الكرامة: في هذه الواقعة كرامتان: الأولى: علمه من الطارق، والثانية علمه بالذنب.

ومنها: قال خير النساج رضى الله عنه: كنت جالسًا في بيتى، فخطر لى أن أبا القاسم الجنيد في الباب أخرج إليه، فنفيت ذلك عن سري، وقلت وسوسة فوقع خاطر ثان كذلك فنفيت ذلك عن سرى، وقلت وسوسة، فوقع خاطر ثانٍ كذلك فنفيت ذلك عن سري: فوقع خاطر ثالث كذلك فقلت إنه خاطر حق وليس بوسوسة، ففتحت الباب فإذا الجنيد قائم، فسلم عليّ وقال: يا خير لم لا خرجت من الخاطر الأول؟

 

وله غير ذلك من الكرامات، تركتها ليرجع إليها من يريد فى كتبها المشهورة.

بعض خلفاء الإمام الجنيد رضى الله عنه.

 

1- سيدى/ ممشاد الدينورى.

2- سيدى/ أبو بكر الشبلى.

3- سيدى/ أبو علي الروذبارى.

4- سيدى/ أبو محمد رويم البغدادى.

5- سيدى/ أبو عبد الله الخفيف الشيرازى.

 

وغير هؤلاء من المشايخ الكرام رضى الله عنهم.