رجال الطريقة الخلوتية

محيى الدين الأطول: محى الدين القسطمونِّى

العارف بالله تعالى سيدى الشيخ/ محيى الدين القسطمونى

رضى الله عنه

 

هو: مختار العارفين، وسند المالكين، مالك أسرار الحقيقة، عالم الشريعة الغراء، مرشد الطريقة الكبرى، ذى السر الأمين أعنى به الشيخ محيى الدين قدس الله تعالى سره المتين.

 

ولد رضى الله عنه بمكان يسمى كورة الحديد ولاية قسطمونى لم يزل مكبًا على تحصيل العلم الظاهر، حتى ظهرت الحالة الإلهية والجذبة الحقيقية، وذلك لما كان فى قلبه الشريف من تقوى وصفاء بالغ، ولما اشتد ميله وتعلقه بالعشق الحقيقي.

سلوكه طريق الصوفية رضى الله عنه:

سلك طريق التصوف على يد حضرة المرشد الكامل: محمود أفندي الكورى قدس الله سره وهو من الخلفاء الكرام للشيخ شعبان أفندى, وكان الشيخ محمود أفند مكلفًا بالإرشاد فى كورة الحديد وقام على الرياضة والمجاهدة، وقد بذل الشيخ محيى الدين أفندى جهده وسعيه لفترة فى تحصيل علم التصوف، الذي كان مطلبًا عاليًا ومقصدًا ساميًا، إذ بالشيخ محمود أفندى الكورى ينتقل إلى دار البقاء.

فحزن الشيخ محيى الدين القسطمونى، وتألم لفراقه، فقدم قسطمونى حيث الشيخ مقيمًا بها، فمكث فى منأى عن العزيز(لقب لسيدى الشيخ شعبان القسطمونى), وأظهر أنه غريب، وعندئذ قال له حضرة الشيخ شعبان ملاطفًا ومحاولاً أن يكشف عنه الهم والغم: إن الحكم لله, سلِّم ولو كنت طالبًا وعاشقًا حقيقيًا، فسوف تجد الله هو الذى يريد, إنك لست غريبًا فى هذه التكية, كن تذكارًا لمحمود أفندى لدينا، وسوف ننهض بخدمتك طاقتنا ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً, فبايع فضيلة الشيخ محيى الدين الشيخ شعبان أفندى، وقبَّل محيى الدين أفندى يدى الشيخ شعبان، وكيف لا يقبل يد الشيخ شعبان، وقد أظهر له ما يطلبه.

وقد ظل شيخنا محي الدين يخدم العزيز بصدق وإخلاص وكان محل حب حضرة الشيخ شعبان, ولما لم يكن يجد النار فى التكية، فى أسفل القلعة، كان يعاني الألم والاضطراب فى أيام الشتاء، فاضطر لأن يقطن فى حجرة ساخنة لصق حمّام بالقرب من جامع يسمى (خونسالر) وكان يصل إلى التكية قاطعًا المدينة من أقصاها إلى أقصاها، علاوة على أنه لم يكن يفوت أحدًا من الأركان قط، فإنه كان يتولى نوبة الحراسة على الدراويش مع أحد دراويش الباب باب التكية إضافة إلى أنه كان يدعو إلى التهجد التوحيدى, وإضافة على ذلك لم يكن النوم يطرق له جفن طوال ليالى الحراسة، وبخاصة في الليالى قارسة البرودة، التي يهطل فيها الجليد وتملأ فيها الأوحال الطرق.

وكان شيخه الشيخ شعبان يدعو له، ويا له من أمر جميل أن يخدم الطريق طالب صدق وبهذه الحماسة والغيرة والإقدام خدم الشيخ شعبان أفندي ردحًا من الزمان، ثم أُرسل من قِبَله إلى الشام مكلفًا بالإرشاد، ثم حج بيت الله الحرام، ثم قفل مره أخرى إلى الشام، ثم لما بدا له بأمر الله تعالى أن يرجع إلى بلاد الأناضول والقسطمونى, طلب الأذن بالرجوع إلى قسطمون، وانقطع فيها للرياضة والمجاهدة، في غار من الحجر يقع على مقربة من قسطمون بهدف الترقي، مثلما كان يفعل المصطفى صلوات الله وسلامه عليه فى غار حراء، ولا زال على هذا الحال حتى تيسرت له الخلافة فى مشيخة سجادة الشيخ شبعان بأمر الله تعالى، وكم كان للشيخ محى الدين من أحوال وكرامات ومكاشفات ولما كان مشربه هو السرية والتكتم، فإنه لم يكن يفشى أحواله، لقد كان مجمع البحرين في العلوم الظاهرة والباطنة.

 

ونذكر من مناقبه رضى الله عنه الآتى:

كان مسافرًا إلى موضع جهة قصبة تسمى(جفة), وفى اليوم الذى كان يمر فيه بـ(جفة) كان الطقس سيئًا للغاية، ولهذا لم يحتمل بعض المسافرين سوء الطقس، وأرادوا المكث بموضع ما, وعندئذ لم يخالفهم الشيخ محيى الدين ومكث معهم، ولم يزالوا فى مكثهم حتى استعجلهم في الذهاب بقوله: هيا انهضوا لنذهب, فلم يتبعه بعض الرفاق من الدراويش, ولبثوا فى ذلك الموضع غير أن العزيز أى الشيخ محيى الدين نهض من فوره مع بعض الدراويش من أهل الصدق والتسليم وذهبوا أعلى النعلين إلى(جفة), وكانت الحكمة من عجلة العزيز هو أنه ثمة عزيز يقال له: خير الدين أفندى من سلسلة حضرة الشيخ شبعان أفندى, وكان يتولى الإرشاد فى(جفة), وفيما كان يحتضر قال للذين سألوه عن من سيقيم عليه صلاة الجنازة: أخروا تجهيزى وتكفينى، فسوف يأتى عزيز يقيم عليَّ صلاة الجنازة, وقد استجاب هؤلاء لوصية الشيخ، وفيما كانوا منتظرين قائلين: ترى من سيأتى؟ دخل القصبة فى التو والحال حضرة الشيخ, وعندئذ استقبله أهلها وأقاموا معه الصلاة على العزيز، وبذلك حرم الذين لم يتبعوا محى الدين وتخلفوا فى الطريق ولم ينقادوا لشيخهم, حرموا الصلاة على العزيز وفضائل صلاة الجنازة.

 

ومن كراماته رضى الله عنه

يروى أن مصطفى ده ده من فقراء الشيخ شبعان أفندي، وكانت تربطه بالعزيز علاقة أخوة، قد مرض وأصبح طريحًا للفراش فى بستانه الخاص فيى(بورلى), وفيما كان يحتضر أوصى أهل بيته قائلاً: لا تجعلوا أحد يغسل جثتى، إن شاء الله سيأتى أخى محيى الدين أفندى ويغلسها ويقيم عليَّ صلاة الجنازة، وقال أيضًا: لا تخرجوا جثتى من باب الحديقة, بل أخرجوها من الموضع الفلانى لأنها إذا ما خرجت من باب الحديقة كان لزامًا أن تمر الجنازة بكنيسة الكفرة ومقابرهم, احذروا ذلك بشدة، وبعد أن انتقل إلى الدار الآخرة قدم علماء القصبة وصلحاؤها إلى جثته، وعندما أذاع أهل بيته الخبر عن وصيته التى أوصى بها, لم يكن الشيخ محيى الدين أفندى موجودًا بالقصبة ولم يكن في الإمكان استقدامه على عجل من قسطمونى، وصار من اللازم شرعًا التعجيل فى دفن الجثة، ولما شرع أحد الأشخاص في غسله قائلاً: إن تنفيذ هذه الوصية غير لازم شرعًا, عندئذ ظهرت حالة عجيبة، إذ لم يكن لدى هذا الشخص قدرة على الغسل، ولم يستطيع شخص آخر الإقدام على ذلك العمل، ولم يزل الجسد الشريف مستقرًا على خشبة الغسل حتى جاء الشيخ محيى الدين إلى هذا المكان ومن معه من الدراويش ووصلوها بإلهام من الله، وبحكمة الله تعالى في ذلك اليوم اقترب مع دراويشه من الحديقة ولم يدخل من بابها، وقال: لا ينبغى أن تخرج جثة أخى مصطفى ده ده من باب الحديقة, لأنه ليس من المناسب أن تمر جنازته من أمام كنيسة وجبانات الكفار، وعلينا أن نخرجها من المحل الفلانى، وقام بتغسيله بيده المباركة فى المكان الذى عينه له الشيخ من قبل وقام بدفنه قدس الله سرهما.

 

ومن كراماته رضى الله عنه:

يروي الشيخ عمر الفؤادى فى كتابه (مناقب بير حضرت شعبان ولى) صـ123 باللغة العثمانية ما نصه بالعربية: وفيما كان هذا الفقير: أى الشيخ عمر الفؤادى فى فترة انقياده له واسترشاده به ليصاحبه فى المقامات والمراتب والأطوار السبعة وأصول الأسماء وظهور التجلي والحال، كنت منتظر ظهور الاسم السادس من عند الله، وفى هذه الخلوة وفى اليوم الثانى منها قال لى: سوف تبلغ مرادك بالفتح الربانى, وتنال الاسم السادس فى رؤياك، ولله الحمد فإن بلطفه عز وجل وبهمة الأولياء حدث ذلك بحذافيره, وظهر الحال الذى عينه, وفى اليوم السابع رأيت الرؤيا ولما صح الخبر قال لى: وقد أدخل السرور عليَّ فيما كنت تقص رؤياك عليَّ، تردد صدى فى أذنى بأنك قد بلغت أربك.

هذه بعض كرامات شيخنا الشيخ محيى الدين أفندى الطويل القسطمونى، وقد أطال الله في عمر حياته فقد عمر وامتد به العمر طويلاً, وتوفى فى العام الثالث عشر بعد الألف من الهجرة النبوية الشريفه، وقبره الشريف داخل مقبرة قطب الأقطاب السلطان الشيخ شعبان أفندي قدس الله سرهما بتكية (حصار آردى بقسطموني).

 

من خلفاء سيدى الشيخ محيى الدين رضى الله عنه:

1-   الشيخ السلطان عمر الفؤادى. وهو فرع مشايخنا رضوان الله عليهم.

2-   الشيخ حسين الطوسى.

3-   الشيخ مصطفى خليفة.

4- الشيخ محمد جلبى أفندى الأماسيوى, وغيرهم من المشايخ قدس الله أسرارهم.

 

رضوان الله تعالى عليهم أجمعين