رجال الطريقة الخلوتية

مصطفى بن كمال الدين البكرى

العارف بالله تعالى سيدى الشيخ/ مصطفى البكرى

رضى الله عنه

 

هو: الأستاذ الكبير والعارف الربانى الشهير، صاحب الكشف، والواحد المعدود بألف كان مغترفًا من بحر الولاية، مقدمًا إلى غاية الفضل والنهاية مستضيئًا بنور الشريعة، رطب اللسان بالتلاوة، وصاحب العوارف والمعارف والتآليف والتحريرات، والآثار التي اشتهرت شرقًا وغربًا وعبد صيتها في الناس عجمًا وعربًا، أحد أفراد الزمان وصناديد الأجلاء من العلماء الأعلام، والأولياء العظام، العالم العلامة الأوحد أبو المعارف، قطب الدين، شيخ الطريقة والحقيقة قدوة السالكين ومربى المريدين، أبو الفتوح شمس الدين.

 

مولده رضى الله عنه:

ولد الشيخ مصطفى بن كمال الدين البكرى فى مدينة دمشق عاصمة دولة سوريا في ذى القعدة 1099هـ, أما بالنسبة إلى البكرى فيرجع نسبه من جهة الأب إلى الخليفة الأول سيدنا أبى بكر الصديق رضى الله عنه ، ونسبه إلى الحسن والحسين من جهة والدته, توفى والده كمال الدين وعمره ستة أشهر، فنشأ يتيمًا فتربى فى حجر ابن عمه المولى أحمد بن كمال الدين بن عبد القادر, وبقى عندهم فى دارهم الكائنة قرب البيمارستان النورى، واشتغل بطلب العمل بدمشق، على مشايخ أجلاء.

 

مشايخه رضى الله عنه:

الشيخ عبد الرحمن بن محيى الدين السليمى الشهير بالمجلد، الشيخ مجمد أبو المواهب الحنبلى حضر عليه شرح صحيح البخارى للحافظ ابن حجر، الشيخ محمد بن إبراهيم الدكدكجى فقرأ عليه متن الاستعارات وشرحها للعصام، الملا إلياس محمد بن إبراهيم الكورانى، المحب محمد بن محمود الحبال، أبي النور عثمان بن الشمعة الشيخ عبد الرحيم الطواقى العماد إسماعيل بن محمد العجلونى, ملا عبد الرحيم بن محمد الكابلى، الشيخ محمد بن محمد البديرى الدمياطى الشهير بابن الميت أخذ عنه المسلسل بالأولية، الشيخ عبد الغني بن إسماعيل النابلسى، فقرأ التدبيرات الإلهية والفصوص وعنقاء مغرب ومواضع متفرقة من الفتوحات المكية للشيخ الأكبر محيى الدين بن عربى، وأخذ عن الشيخ إسماعيل طرفًا من الفقه.

 

أخذه طريقه الخلوتية:

أخذها عن الشيخ عبد اللطيف بن حسام الدين الحلبى الخلوتى، ولقنه الأسماء وعرَّفه حقيقة الفرق بين الاسم والمسمى، وفى سنة 1109هـ سكن إيوان المدرسة الباذرائية ونزل فى حجرة بها يقصد الإنفراد والاشتغال بالأذكار والأوراد، وأذن له شيخه الشيخ عبد اللطيف بالمبايعة والتخليف وإعطاء العهود سنة 1120هـ إذنًا عامًا فبايع فى حياة شيخه، وكانت تلك أزهر أوقاته، وسمع الشيخ مصطفى شيخه عبد اللطيف يقول: الجنيد لم يظفر طول عمره إلا بصاحب ونصف، فقال له: وكم ظفرتم أنتم بمن يوصف بالتمام؟ فقال له: أنت إن شاء الله، ثم لما توفى شيخه توجه أبناء شيخه إليه، واجتمعوا عليه، وجددوا أخذ البيعة عنه، فشاع خبره وذاع أمره وكثر جمع جماعته إلى ستة اثنين وعشرين ومائة وألف 1122هـ.

 

رحلات سيدى الشيخ مصطفى رضى الله عنه لنشر الطريق:

وفى سنة 1122 هـ توجه من دمشق إلى زيارة بيت المقدس وانتشر الطريق هناك, وأخذ عنه جماع الأوراد والأذكار وزار الإمام العارف سيدى علي بن عليل العمرى، واجتمع هناك بالشيخ الإمام نجم الدين بن خير الدين الرملى، فسمَّع عليه الشيخ مصطفى أول الموطأ للإمام مالك بن أنس رضى الله عنه من رواية الإمام محمد بن الحسن الشيبانى بسند الشيخ الرملى، وأجاز له الشيخ الرملى بجميع ما يجوز له روايته، ثم زار نبي الله موسى عليه السلام، وبعد حضوره للقدس شرح تصنيف ورد السحر المسمى، الفتح القدسي والكشف الأنسى وأمر جماعتة بقراءته، وقد اعترض عليه بعض الناس وقالوا بأنه بدعة في الطريق, فعرض الشيخ مصطفى الورد في أدرنة بدولة تركيا، على الشيخ حسن ابن الشيخ على قره باش، فأجاب بأنه لا بأس به, وحيث أنكم رأيتموه مناسبًا فهو المناسب ثم عاد إلى دمشق.

 

وانتشرت طريقته حتى سنة 1126هـ فزار بيت المقدس ونزل الخلوة هناك واستمر ثم عاد إلى دمشق ثم زيارة مدينة حلب بسوريا، ومنها إلى بغداد، فزار هناك الشيخ عبد القادر الكيلانى قدس الله سره، وأقام هناك نحو شهرين ثم رجع فزار الشيخ إبراهيم بن أدهم وزار من فى الشام من الأولياء، ثم رجع إلى القدس وعمّر به الخلوة التحتانية وهى التى تنسب إليه، وفى سنة 1129هـ رجع إلى دمشق واجتمع هناك بالسيد محمد بن مولاى أحمد التافلاتي، ونزل صاحب الترجمة في حجرة بالمدرسة الباذرائية، ثم توجه إلى الحج في رمضان مع عمه محمد أفندى البكرى، ثم عاد إلى الشام، ثم رحل إلى القدس ووصلها آخر ذي القعدة، فتزوج هناك، ثم قدم إلى مصر من جهة دمشق لزيارة بيت المقدس هو والوزير رجب باشا فزار الولى الشيخ مصطفى، وصار له الاعتقاد، ولما ذهب الوالى إلى مصر اصطحب الشيخ مصطفى، فدخل مصر وأقام هناك مدة، ونشر الطريق وأخذ عنه خلق كثيرة أجلهم النجم محمد بن سالم الحفنى شيخ الأزهر، ثم توجه إلى زيارة القطب سيدى أحمد البدوى قدس الله سره، ثم توجه إلى زيارة دمياط، وأقام هناك فى جامع البحر، وأخذ عن شيخها محمد البديرى الشهير بابن الميت وقرأ عليه الكتب الستة والمسلسل بالأولية وبالمصافحة وأجازه أجازة عامة بسائر مروياته وتأليفاته, ثم رجع إلى بيت المقدس وأقام هناك حتى ابتداء سنة 1135هـ، فتوجه إلى طرابلس الشام، وأقام هناك خمسة عشر يومًا، ومنها إلى حمص، ومنها إلى حماة ونزل فى بيت السيد يس القادرى الكيلانى شيخ السجادة القادرية بحماة, فأخد عنه الطريقة القادرية، ومنها إلى حلب وأخذ عنه جماعة منهم الشيخ أحمد بن أحمد خطيب الخسروية الشهير بالبنى، ثم توجه إلى تركيا ونشر الطريق هناك وكلما ذاع صيته في مكان انتقل منه إلى مكان آخر في تركيا.

 

ومن مناقبه رضى الله عنه في تركيا:

أنه كان ينفق من الغيب بحيث لا يحتسب ولا يصل إليه من أحد شئ أبدًا, وفى سنة 1137هـ أخذ العهد العام على جميع طوائف الجان أن لا يؤذوا أحدًا من مريديه الذين أخذوا عنه أو عن ذريته بمشهد كان فيه جمع من المريدين، والمدة التى قضاها في تركيا لأمور اقتضتها أحكام القدرة الإلهية، ثم رجع إلى حلب لزيارة أهله ثم توجه إلى العراق لزيارة سكانها ولم يدع مزارًا إلا وزاره, ولا ما يتبرك به إلا حل به قراره، ثم رجع إلى الشام ثم دمشق ثم إلى القدس وأقام فى القدس المشرفة ينتقل من زيارة إلى أخرى مطرفة، وهو فى تأليف وإرشاد إلى رب العباد ثم فى سنة 1145هـ عزم على الحج، ثم بعد إتمام الحج وزيارة الرسول r رجع إلى القدس وفى سنة 1148هـ قصد تركيا ثم قصد الاسكندرية ثم إلى مصر، وبعد أن استوفى الزيارات بمصر رجع إلى بيت المقدس، ولم يزل مقيمًا فى القدس إلى أن دخلت 1149هـ, فعزم على الحج وفى أثنائها توجه إلى مصر وصحبه جمع كثير وظهرت كلمته فى تلك الأقطار، ولما بلغت تلامذته مائة ألف أمر بعدم كتابة أسمائهم، وقال هذا شىء لا يدخل تحت عدد، ثم حج ورجع إلى دمشق، ثم توجه إلى القدس فى 1152هـ ولم يزل مقيمًا بها حتى 1160هـ, فسار إلى مصر فلما وصل إلى مصر استأجر له الاستاذ الحفناوي دارًا قرب الجامع الأزهر عن أمر منه بذلك, ولما وصل إلى قرية الزوامل, تلقاه الأستاذ الحفناوي ومعه خلق كثير من علماء مصر ووجهاء أهلها، وأقام هناك وهو مقبل على الإرشاد والناس يهرعون إليه من كل واد مع الازدحام الكثير, حتى أنه قل أن يتخلف عن تقبيل يده جليل أو حقير.

مؤلفات سيدى الشيخ مصطفى البكرى رضى الله عنه:

بلغت مؤلفاته مائتين واثنين وعشرون مؤلفًا 222 كتاب منها:

- ورد السحر المسمى: الكشف الأنسى والفتح القدسي وشرحهُ بثلاثة شروح، الأول باسم الضياء الشمسي على الفتح القدسي فى مجلدين ضخمين، الثاني: رفيع المعاني سماه: اللمح الندى على الفتح القدسي، والثالث: المنح الأنسي على الفتح القدسى

السيوف الحداد فى الرد على أهل الزندقة والإلحاد.

- الفرق المؤذن بالطرب في الفرق بين العجم والعرب.

- المنهل العذب السائغ لوراده فى ذكر صلوات الطريق وأوراده.

- الروضات العرشية على الصلوات المشيشية.

- كروم عروش التهائى فى الكلام على صلوات ابن مشيش الدانى.

- فيض القدوس السلام على صلوات سيدى عبد السلام.

- اللمحات الرافعات.

- غواشى التدشيش على معانى صلوات ابن مشيش.

- الوصية الجلية للسالكين فى طريق الخلوتية.

- النصيحة السنية فى معرفة آداب كسوة الخلوتية.

- الحواشي السنية على الوصية الجلية.

- بلوغ المرام فى خلوتية الشام.

- نظم القلادة فى معرفة كيفية إجلاس المريد على السجادة.

- بلغة المريد ومشتهى الموفق السعيد.

- ألفية فى التصوف.

- تشييد المكانة لمن حفظ الأمانة.

- تسلية الأحزان وتصلية الاشجان.

- رشف قنانى الصفا فى الكشف عن معانى التصوف والمتصوف والصفا.

- المُدَامُ البكر فى بيان بعض أقسام الذكر .

- الثغر الدرى البسام فى من يجهل من نفسه المقام.

- الكأس الرائق فى سبب اختلاف الطرائق.

- التواصى بالصبر والحق امتثالاً لأمر الحق.

- الوارد الطارق واللمح الفارق.

- الهدية الندية للأمة المحمدية.

- الموارد البهية فى الحكم الإلهية على الحروف المعجمة الشهية.

- جمع الموارد من كل شارد.

- الكمالات الخواطر على الضمير والخاطر.

- الجواب الشافى واللباب الكافى.

- جريدة المآرب وخريدة كل سارب وشارب.

- هدية الأحباب فيما للخلوة من الشروط والآداب.

- الكوكب المحمي من اللمس بشرح "سلاف تريك الشمس".

- رسالة الصحبة التى انتجتها الخدمة والمحبة.

- رسالة فى روضة الوجود.

- رفع الستر والردا على قول العارف: أروم وقد طال المدى

البيت لأبن الفارض في التائية قال: أنظر ديوان ابن الفارض ص 20 طبع مكتبة زهران.

(أروم وقد طال المدى منك نظرة وكم من دماء دون مرماي طلت)

- أرجوزة الأمثال الميدانية فى الرتبة الكيانية،

- المطلب السوى على حزب الإمام النووى،

- ورد الإشراق اللامع نوره البراق،

- ورد الضحى المغيب لمن صحا،

------ وله غير ذلك الكثير والكثير، ومن أراد المزيد فعليه بكشف الظنون وإيضاح المكنون, وهدية العارفين, وسلك الدرر, وتاريخ الجبرتى, وتبيان وسائل الحقائق فى بيان سلاسل الطرائق, وغير ذلك من الكتب التى جمعت فى طياتها تراجم العلماء والصالحين.

 

من كرامات سيدى الشيخ مصطفى البكرى رضى الله عنه:

من ذلك ما وقع فى استانبول فى تركيا لما قام ليلة فصلى على عادته من التهجد ثم جلس لقراءة الورد السَحَرى, فأحب أن تكون روحانية النبى r فى ذلك المجلس, ثم روحانية خلفائه الأربعة, والأئمة الأربعة, والأقطاب الأربعة, والملائكة الأربعة, فبينما هو فى أثنائه إذ دخل عليه الشيخ الولى محمد التاقلاتي فشمر عن أذياله وكأنه يتخطى إناسًا فى المجلس, حتى انتهى إلى موضع فجلس فيه، ثم لما ختم الورد قام ذلك الرجل فسلم عليه ثم قال ما صنعت يا مصطفى؟ فقال: ما صنعت شيئًا, فقال له: ألم ترنى أتخطى الناس؟، قال: بلى! إنما وقع لى أنى أحببت أن تكون روحانية من ذكرناهم حاضرة، فقال له: لم يتخلف أحد ممن أردت حضوره, وما أتيتك إلا بدعوة والآن أأذن لك فى الرحيل وحصل الفتح والمدد.

ومن ذلك أيضًا: إنفاقه فى كل الأوقات ما لا حصر له، مثل مصرف أكبر من يكون من أرباب الثروة وأهل الدنيا ولم تكن له جهة تُعلَم يُدخِل منها ما يفى بأدنى مصرف من مصارفه ولكن بيده مفتاح التوكل لكنز هذا عطاؤنا.

 

ومن ذلك أيضًا: أنه رأى النبي e، فقال النبى e: من أين لك هذا المدد؟ فقال: منك يا رسول الله، فأشار أن نعم، ولقى الخضرu ثلاث مرات، وعرضت عليه قطبانية المشرق فلم يرضها, وغير ذلك من الكرامات.

 

وفاة سيدى الشيخ مصطفى البكرى رضى الله عنه:

بعدما حج عام 1161هـ, وفي شهر ربيع الثانى مرض مدة شهر، وقيل بل مرض حتى ليلة الثامن من ربيع الثاني عام 1162هـ فتوفى بعد العشاء الآخرة.

 

بفكر صاح وقلب غير لاه، ودفن بعد طول منازعة فى القرافة الكبرى في تربة المجاورين, ونعم الجار وقبره ثَم مشهور ثُم بزيارته تُضاعف له الأجور، وقد عمل له الشيخ الحفنى فى شهر شعبان من هذا العام أى عام 1162هـ مولدًا عظيمًا شدت إليه الرجال، فرضى الله عنه وعن جميع السلسلة، اللهم آمين..

 

 

ومن مشايخه زيادة على ما تقدم:

وقد أخذ أيضًا عن الشيخ الإمام محمد بن أحمد عقيلة المكى، والشهاب أحمد بن محمد النخلى المكى, والجمال عبد الله بن سالم البصرى المكى والجميع أجازوا له، وأخذ الطريقة النقشبندية عن القطب العارف السيد مراد الأزبكى البخارى, وعن الشهاب أحمد ابن عبد الكريم العامرى، وعن الشيخ مصطفى بن عمر، وعن غيرهم.

 

ممن أخذ عن الشيخ مصطفى البكرى رضى الله عنه؟

أخذ عنه خلق كثير حتى أخذ عنه سبعة من طوائف الجان وأسماؤهم محررة فى بعض مؤلفاته، وأخذه عليهم عهودًا عامة وخاصة، ولهم خلفاء فى القدس منهم الشيخ العالم محمد بن أحمد الحلبى المكتبى, وفى سوريا, وفى مصر منهم الشيخ الحفنى وابنه محمد والشيخ السمان، وإليك البيان بالرسم.

 

 

 

 


(1)

(2)

(3)

(4)

محمد الحفني

فرع مصر

الحفنية

عبد الكريم السمان

فرع السمان

السمانية

محمد بن مصطفى

البكري

الكمالية

محمد أحمد الحلبي

المكتبي

فرع القدس

 

وله أكثر من عشرين خليفة كلهم أهل فضل وكمال

وفرع طريقتنا من الفرع الأول الشيخ محمد بن سالم الحفنى, وله غير ذلك من الخلفاء.

رضوان الله تعالى عليهم أجمعين