Sam Eldin الشيخ عبد الجواد الدومى
Alshak Aldumy
دروس قرآنية لفضيلة الشيخ الدومى
الدرس الثامن

الدرس الثامن

بسم الله الرحمن الرحيم

((أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (10) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (11) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (12) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (13) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (14) سورة العلق))

يقول الله تعالي في هذه الآية الكريمة ما معناه أعجب ممن هذا شانه وهو الإنسان الذي خلقه الله من نطفة فإذا هو خصيم مبين . خلقه من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة ثم خلق المضغة عظاماً ثم كسا العظام لحماً وهذه كلها نعم ، وشق له السمع والبصر ومد فيه العروق وأعطي كل عضو من الأعضاء ما يناسبه وهذه كلها نعم ، وأوصل له الغذاء في بطن أمه ثم أخرجه إلي الدنيا وأجري له من بين فرث ودم لبناً وهذه كلها نعم ولازالت إنعامات الحق جل جلاله متتالية وإمداداته متوالية ومع ذلك فإن هذا الإنسان إذا جاءه رسول من عند الله كذب به واستغني بنفسه عن ربه وطغي وبلغ من آثار طغيانه أنه إذا رأي أحد يصلي أو يفعل الخير نهاه عن فعله فكأنه بذلك يعادي ربه لأنه لا يريد أحداً أن يصلي لله . وهذا من مفردات وآثار الطغيان ((كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) سورة العلق)) .

حصل من أبي جهل عدو الله أنه رأي النبي (صلى الله عليه وسلم) يصلي فقال للناس محمد يعفر وجهه ويصلي . وبين أظهرنا وحلف لو رآه يصلي ليطأن عنقه مثل هذا الشخص الذي يتهجم علي الله ويسيء الأدب علي الله ، ويعصي ربه ويتبجح بالعصيان وسوء الأدب . لا ينتظر منه أن يكون مؤدباً مع الخلق مطلقاً . فلا هو مؤدب مع الله ولا هو مؤدب مع الخلق فهو لا يحسب علي الإنسانية ولا يعتبر من بني آدم .

ومثل هذا الشخص في هذا الزمان كثيرون يحلفون بالباطل وهم مثل ابي جهل بل أن أبا جهل حلف بمعبودة ولكنهم يحلفون بالله سبعين ألف يمين كاذبة يستهينون بالحلف بالله ، والواحد منهم يفضل امرأته علي رب العزة لأنك لو قلت له أحلف بالطلاق لا يحلف ويمتنع ويحلف بالله كاذباً فكأنه قدم امرأته علي رب العزة.

جاء أبو جهل ورسول الله (صلى الله عليه وسلم) يصلي وأقبل ناحيته ولكنه ارتد عنه بظهره من وهو يدفع بيديه كمن يتقي بيديه شيئاً . فقيل له مالك فقال إني رأيت بيني وبينه خندقا ًمن نار وهولاً وأجنحة. فلما حكي ذلك للنبي (صلى الله عليه وسلم) قالوا لو دنا لاختطفته الملائكة عضواً عضوا أي مزقته شر ممزق . فنزلت الآية ((أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (10) سورة العلق)) .

وقد وصف الحق جل جلاله نبيه بأنه عبد فهو (صلى الله عليه وسلم) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عبد كغيره من العباد . والتنوين في قوله تعالي (عبداً ) للتعظيم . وهو سيد خلق الله وأفضل عباد الله .

وأن لله تعالي عباداً اختصهم بالفضل واستثناهم من غواء إبليس ((إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ)) )1( بل أن إبليس مع كفره تأدب مع الله تعالي في قوله ((قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (83)))2(

وبالنسبة للنبي (صلى الله عليه وسلم) فهو عبد في غاية التعظيم ونهايته كما عبر في مقام الإسراء بقوله جل وعلا ((سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا)) )3( وفي مقام التنزيل بقوله جل وعلا ((الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ)))4( ومقام العبودية هو أشرف مقام وأجل مكانة ولو كان هناك لفظ أعظم منه لعبر به .

وعبد الله حقاً هو من بلغ الغاية في العبودية حتى أن اشتغاله بأمور الحق لا يصرفه عن حقوق الخلق واشتغاله بشئون الخلق لا يشغله ولا يصرفه عن شهود الحق . وعلي حد قول القائل :

 

ومما زادني شرفــــــــاً وتيهــــــــــــــــــــــــاً وكدت بأخمصي أطأ الثريا

دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبياً

 

وأقرب مثل ذلك أنك تري الإنسان الجاهل يشعر بالشرف والفخر إذا ناداه شيخ الحارة أو العمدة أو المأمور فكيف والحال أن رب العزة ينادي (يا عبادي) فهذا هو أكبر شرف لمن يدخل في زمرة عباد الله الصالحين .

نعود للآيات الكريمة ((أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْدًا إِذَا صَلَّى .. الخ)) العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب والمعني والله أعلم أعجب ثم أعجب لإنسان أوجده الله من عدم خلقه من ماء حار ثم علقة تعافها النفوس ثم يعادي ربه ويحاربه ليلاً ونهاراً لأنه رأي لنفسه قوة وجاهاً وسلطاناً ومالاً فاستغني بذلك عن أمه وأبيه بل عن رب العزة - وطغي وصار يقول في نفسه ((أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى))ويتكبر وينتفخ علي غيره . والأمثلة علي ذلك كثيرة بل أنت تري من يدعي وهو ضعيف غلبان وينتفخ علي امرأته ويشتمها ويسبها وتراه خارج البيت نعامة علي عكس ما قاله سيدنا عمر بن الخطاب (إذا كنت في بيتي كنت طفلاً وإذا كنت مع القوم كنت رجلاً) وليس من العيب أو العار أن تكون في بيتك صغيراً تحمل الطفل وتكون لين الجانب ولكن إذا كنت مع الرجال فكن رجلاً .

أعجب لذلك الإنسان الذي طغي وبلغ من طغيانه أنه ينهي غيره لا عن الزنا او عن شرب الخمر أو عن ارتكاب الفحشاء بل ينهاه عن الصلاة وبلغ من طغيانه أنه نسي ربه ونسي المعية ونسي أن الله معه ويراه . فهو يأمر بالشر ويفعله وإذا فعل خيراً فأنه يفعله بجسمه فقط ليقال انه يفعل الخير وإن نصح نصيحة فبلسانه فقط وقلبه مشغول بالخلق مملوء بالرياء والنفاق .

((أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى)) لولا أنه رأي نفسه واستغني بقوته وماله وعلمه ما طغي لأن الطغيان مترتب علي الاستغناء . وبسبب طغيانه يفعل الشر وينهي عن الخير وإن ادعي فعل الخير أو الأمر بالتقوى فذلك بظاهره فقط . هذا الإنسان الم يعلم بأن الله يراه في جميع أحواله ؟ فهو يراه ويعلم حقيقته . إذا ادعي وهو كاذب أنه علي الهدي . ويعلم حقيقته إذ ادعي انه يأمر بالتقوى وهو منافق . ويعلم حقيقته ويعلم سره وباطنه .

((كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ)) كرر الله الزجر بكلمة كلا مرة ثانية . في المرة الأولي عدد الله النعم التي انعم بها علي الإنسان من خلقه وخلق كل شيء وأنه تعالي الأكرم الذي أنعم عليه بالتعليم بسبب ومن غير سبب وأن الإنسان لم يشكر نعم ربه وأشرك به واعتمد علي الأسباب فقال الله كلا أي زجراً لهذا الإنسان .

ثم أعاد الزجر مرة أخري بقوله كلا . وهذا الزجر يوضح أن الإنسان الغافل يشبه الشخص الذي نومه ثقيل . فالذي نومه خفيف يكفيه الكلمة أو النداء أما من نومه ثقيل فلا يوقظه من نومه إلا الزغد أو الضرب بالرجل أو إلقاء الماء علي وجهه .

لذلك فإن الله سبحانه وتعالي ينبه الناس كل يوم وينضح وجوههم بالماء بما يرونه من الشدة والضيق والضغط عليهم لكي ينتبهوا ويعودوا إلي الله ((وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ)) )1( فالمصائب التي يلقاها الناس هي سبب المعاصي ولذلك يجب استعمال الدواء وهو الاستغفار والتوبة من المعاصي ((اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا)) )2( فالذي يلهمه الله الصواب يستيقظ من نومه وينتبه من غفلته ويتوب ويرجع إلي الله أنما من غضب الله عليه فإنه لا ينتبه وإذا انتبه قليلاً عاد إلي نومه الثقيل وغفلته مرة ثانية .

لذلك كرر الله تعالي الزجر مرة ثانية بقوله كلا أي زجرا وردعاً لمن لم ينتبهوا ثم اقسم الله تعالي بلام القسم ((لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ)) .

الظاهر والله أعلم أن المقصود بالانتهاء هنا في قوله تعالي ((لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ)) هو المقصود في قوله تعالي في آية أخري ((قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ)) .

((لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَنْ)) المفهوم لو انتهي عفا الله عنه وهذا المفهوم صريح في الآية الكريمة أخري ((إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ)) .

لكن يؤخذ من كلام بعض المفسرين ((لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ)) يعني ابو جهل ((لَنَسْفَعَنْ)) أي لنسحبنه بشدة إلي جهنم ((بِالنَّاصِيَةِ)) أي برأسه .

قالوا في سبب النزول أن الله تعالي توعد أبا جهل بذلك . وقد حصل في غزوة بدر أن حقق الله تعالي ما توعد به أبا جهل في القرآن . لأنه في معركة بدر لما قتل أبو جهل رآه سيدنا عبد الله أبن مسعود ملقي علي الأرض وكان ضخم الجثة . وكانت فيه بقية من الروح فاعتلي عبد الله بن مسعود صدره ليجز عنقه بالسيف فقال اللعين أبو جهل لابن مسعود متمادياً في كفره (لقد رقيت مرقي عالياً يا رويعي الغنم) )1( يعني أنت يا ضعيف تركب علي صدر أبي الحكم زعيم العرب فكان جواب أبو مسعود (الإسلام يعلو ولا يعلو عليه ) فقال له أبو جهل مع كفره "سيفي أمضي فحز به عنقي" وهذا معناه أنه فضل أن يقتل بسيفه لا بسيف عبد الله أبن مسعود حتى لا يقول الكفار أن عبد الله بن مسعود الضعيف قد قتل أبا جهل بسيفه . وقد حز عنقه عبد الله وربط رأسه بحبل وجره إلي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فلما رآه تبسم (صلى الله عليه وسلم) وكانت ابتسامته لأنه رأي جبريل عليه السلام ماشياً بين يدي ابن مسعود ولأنه رأي أضعف رجل من المسلمين وكان ابن مسعود صغير الجسم يجر رقبة أقوي رجل من الكفار وهو أبو جهل انتصاراً لدين الله .

ولذلك يقول بعض المفسرين هذا هو معني قول الله تعالي ((لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ)) ولكن الغالب والله اعلم أن المراد في الآخرة لقوله تعالي ((سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ)) والزبانية في الآخرة . والله سبحانه تعالي وأعلم .



) 1( سورة الحجر وآية 65 سورة الإسراء

) 2( أية 82 ، 83 سورة ص .

)3( آية 1 سورة الإسراء

)4( آية 1 سورة الكهف

) 1( آية 30 سورة الشورى

) 2( آية 10 سورة نوح

) 1( صحة العبارة ولعل ما فيها من سرعة النقل والله أعلم :

(لقد ارتقيت مرتقي صعباً يا رويعي الغنم